السيد محمد حسين الطهراني

626

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

ويديها وعينيها واذنيها وبدنها . كما إنّ الأمر لا يختصّ بعبدة البقر أو بالبقر نفسه ، إذ يمكن الإخبار بهذه الأمور من أيّة حركة بُلبل ، أو اهتزاز وردة وتساقط ماء ، ومن الريح والمطر ، ومن الطلوع والغروب ؛ لأنّ نظام إدارة وعالم أمر الكون واحد لا أكثر ، فذلك النظام والأمر الوحدانيّ يوجب كلّ لحظة تغيير وتبديل جميع ذرّات العالم . وستصبح - والحال هذه - جميع الوقائع والحوادث مشهودة بمشاهدة ذلك النظام وكشفه ، كما سيمكن إدراك أيّ تغيير في هذا النظام بمشاهدة أيّ تغيير آخر بواسطة تلك العلاقة المباشرة وغير القابلة للتغيير فيه . كلّ ما في الأمر أنّ المرتاض - عابد البقرة - قد تمكّن برياضاته النفسيّة من الارتباط بالروح الكلّيّة للبقرة ، فتمكّنت نفسه من إرساء العلاقة مع ذلك النظام الواحد عن طريق نفوس البقر ، وصار يدرك هذه الرموز الخفيّة والأسرار الغيبيّة عن طريق نافذة البقرة وشبكتها . ولو عبد شخص ما بلبلًا أو طيراً من طيور الحمام أو قطّة أو غراباً - مثلًا - ولو عبد النجوم والشمس والقمر ، لأدرك بوسيلة تلك الطرق نفوسها الكلّيّة ، ولاطّلع أخيراً على ذلك النظام الوحدانيّ وأخبر عنه . الفَناء في غير الذات القدسيّة للحقّ المتعال ممنوع في الشريعة الإسلاميّة بَيدَ إنّ الإنسان أشرف المخلوقات ، فلا ينبغي له بهذا الاعتبار إفناء نفسه في النفوس الأدنى منه أو التي تشابهه ، لأنّ ذلك الفناء يستلزم انحطاط إنسانيّته وسقوطها ؛ ومن هنا فقد مُنعت وحُرِّمت عبادة البقر وعبادة النجوم وعبادة الحجر وأمثالها في هذه الشريعة الكاملة . كما إنّ الإنسان لا يمكنه عبادة الملائكة ، لأنّ وجودها أضعف من وجود الإنسان ؛ [ 1 ] ولا يمكنه عبادة الجانّ بهذا الدليل نفسه .

--> 1 - في الفقرة 11 ، من الدعاء الرابع والأربعين من « الصحيفة الكاملة السجّاديّة » كلام يدلّ على أفضليّة الإنسان من الملائكة : وَأنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فِيهِ مِنَ الأعْمَالِ الزَّاكِيَةِ بِمَا تُطَهِّرُنَا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَتَعْصِمُنَا فِيهِ مِمَّا نَسْتَأنِفُ مِنَ العُيُوبِ ، حتّى لَا يُورِدَ عَلَيك أحَدٌ مِنْ مَلَائِكَتِكَ إلَّا دُونَ مَا نُورِدُ مِنْ أبْوَابِ الطَّاعَةِ لَكَ وَأنْوَاعِ القُرْبَةِ إلَيْكَ . وقد كتب آية الله الحاجّ الشيخ أبو الحسن الشعرانيّ رضوان الله عليه يقول في شرحه للفقرة 56 ، من الدعاء الخامس والأربعين - الهامش الأوّل - من « الصحيفة » ص 159 و 160 : ويمكن العلم من هذا القول أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أفضل من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين . ولو كان الملائكة أفضل لكانت الصلاة على من هو في مقام أوطأ من الملائكة ، بدرجة أكثر منها عليهم أمراً غير جائز وخلافاً للحكمة . وفي نظر أهل المعرفة فإنّ مقام الإنسان الكامل أفضل منهم أيضاً وهو مذهب أهل الإسلام قاطبة ، وقد طُعن على بعض المعتزلة كالزمخشريّ في اعتبارهم أنّ الملائكة أفضل ، والله العالم - انتهى . وقد ذكر الحقير مطالباً في شأن أفضليّة الإنسان على الملائكة في كتاب « معرفة المعاد » ج 1 ، ص 10 إلى 12 ، المجلس الأوّل ، دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة .